مقالات

 صلاح الدين عووضة يكتب : الدخان!

 صلاح الدين عووضة يكتب : الدخان!

هكذا سموه..
وهو إنما كان ضباباً..
وذلك تفسيراً من تلقائهم لما طرأ على سماء بلدتهم من تغيرٍ مخيف..

والتغير هذا كان في أوان ذلكم الفيضان الشهير..
وأول من رأته سعيدة بكري..

فقد استيقظت فجرأ لتجهيز الشاي؛ فابنها الطالب مسافر إلى الخرطوم..
وأثناء حلبها المعزة تنبهت لشيء غريب في السماء..

لم تكن هي سماء كل يوم….. بل بدت وكأنها تغطت بثوب (زراق)..
وينكشح منها اللبن على الأرض من شدة الهلع..

ثم يتبعها في رصد الظاهرة هذه عبد المجيد صاحب الدكان..
ويحكي لزبائنه – برعبٍ – كيف إنه رأى لحظة زحف الدخان على سماء البلدة..
وبعد أن (فجَّت الدنيا) تأكد من أنه ليس سحاباً كما توهم بدءاً..

ولم يبع في يومه ذاك شيئاً…. ولم يكترث..
ثم كان ثالث المنتبهين سليم العريبي… ريس المركب..
قال إنه حين هبط المشرع لم يميز – أول الأمر – بين (البحر) والسماء..

وعزا ذلكم الخلط – في البداية – إلى تأثير (دكِّاي) الليل..
فعاد إلى تعريشته لرشف مزيدٍ من القهوة؛ ثم عاود الهبوط تلقاء النهر..
ولكنه فوجئ بأن السماء ما زالت في لون النيل..

ولون النيل هو لون مياهه العكرة…. في أوان التساب..
وتوالت بعد ذلك – عند شروق الشمس – قصص مشاهدة الضباب..
وتوالت – أيضاً – قصص الظواهر الغريبة… وحكاياتها..

وأشهرها جفاف الزرع… والضرع…. والدمع..
فحتى الدموع بخلت بها المآقي حين احتاجها البعض؛ خوفاً وطمعاً..
وهُرع الناس إلى المسجد علّهم يجدون تفسيراً…. وطمأنينة..

حتى ستات العرقي – والبهجة – نونة… وحنونة… وزيتونة؛ هُرعن إلى هناك..
ويضوع منهن ما بقي من آثار الليل… وآثامه..

وكان أكثر الناس هلعاً… وخوفاً… ورعباً….. كبير البلدة..
ولكن شيخ فتحي – إمام الجامع – كان هو نفسه ينتظر تفسيراً… وطمأنةً..
ولما حان وقت صلاة الظهر لم يؤذن حاج صالح كعادته..

كان الجميع مشغولين بالنظر إلى تغيُّرات بدأت تطرأ على ضباب السماء..
فقد طَفق يتداخل بعضه… في بعضه… من بعضه..

وأقسم نفرٌ إنه كان يتشكّل على هيئة وجوه أناس من البلدة يعرفونهم جيداً..
ومنها وجه حليمة التي ورد ذكرها في كلمتنا بعنوان (الخرابة)..

وكذلك الثلاثة الذين كانوا أبطال حكاية الخرابة هذه وعثُر على جثثهم تحت الدومة..

وجميعهم تحت الثرى؛ ظلماً… وغدراً… وغيلة..
ولكن الأفندي (بتاع الكتب) – كما كان يُسمَّى – نفى هذا الزعم بشدة..
وأرجع الأمر إلى محض توهم من منطلق التمني..

وهو نفسه كان أسير تلكم الأماني التي ظلّت حبيسة الصدور سنين عددا..
أمنيات مصوبة – كما السهام – نحو الظالمين… وأتباعهم..

بيد أن السماء لا تمطر تغييراً – يقول الأفندي – وما نيل المطالب بالتمني..
واستغلها سانحةً لدفع الناس نحو تغييرٍ يأتي من الأرض..

فانصرفوا عنه أكثر من ذي قبل…. يؤثرون – كعادتهم – السلامة..
وعند بزوغ شمس اليوم التالي اختفى الضباب..

واختفت بهائم… وعيوش… وتمور… وبضائع…. وبقايا ابتسامات..
واكتسى كل شيء بلون ذياك اليوم الغريب..

حتى العواطف… والمشاعر… والأحاسيس…….. توشحت لونه..
لون ذاك الذي بقي سراً غامضاً إلى يومنا هذا..

هل كان لعنةً؟… أم رحمةً؟… أم نذيراً؟… أم بشيراً؟… أم ضرباً من ظواهر الطبيعة؟..

وكل ما بقي من آثاره الآن محض توثيق..
توثيق لحادثات… وذكريات… وولادات… ووفيات… وزيجات… ومخاشنات..
يقولون حدث هذا في يوم (التساب) ذاك..

يوم الدخان!.

المصدر : الصيحة

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد
زر الذهاب إلى الأعلى