رباب حسن : عواسة الأبري… يصحبها التصافي دوماً

في صباحٍ ملبّدٍ بغيوم الشتاء، نادت بثينة، ذات الخمسة والستين عاماً، جارتها لمياء التي تناصفها العمر، داعيةً إياها للمشاركة في مراسم المناسبة الاجتماعية السنوية «عواسة الأبري»، التي درجت النساء السودانيات على إقامتها كل عام بوصفها أول طقوس استقبال شهر رمضان ، فيما يُعرف شعبياً بـ«بلّ العواسة».
وتتجلى في هذه الطقوس مشاهد اجتماعية خالصة، حين تجتمع النسوة على اختلاف ثقافاتهن وأعراقهن، في بوتقةٍ سودانية واحدة يجمعها تراث مشترك. وتتمثل أدوات هذا الطقس في حطب الموقِد المحاط بالطوب فيما يُعرف بـ«اللدايات»، تعلوه قطعة صاج تُفرَد عليها رقائق «الحلو مر». وتبدع العاملة عليه، «العواسة»، حتى تُخرج «الطرقة» ذات الرسم المربّع، وكأنها تستنطق مكنون روحها برائحته الزكية.
يخال من يراها أنها تعود طفلةً تلهو، غير أنها في الحقيقة أكثر وعياً ورجاحة عقل، تحمل تجارب وخبرات ثرّة؛ ففي لحظات العواسة تعيد ترتيب أشيائها، وتفك عقداً من مشكلاتها الخاصة ومع أقربيها.
استجابت لمياء لدعوة بثينة، وقد أخذتها الفكرة بوصفها تجربة جديرة بالاهتمام. جاءت إلى المكان المخصص للعواسة «التكل»، تحمل طبقاً من البليلة مزيّناً بزيت السمسم في يدها اليمنى، وفي اليسرى «سيرمس» شاي. وما إن لامست أول «طرقة» سطح الصاج حتى فاحت رائحة الأبري، واجتمعت النسوة اللواتي دعتهن بثينة، وتعالت أصوات الترحيب في صخبٍ سوداني معهود ينسجم مع روح الطقس.
في إحدى زوايا «التكل» جلست زينب، المعروفة بصوتها الجهوري وقوامها الممشوق، تحدّق في لمياء وبتول. وبتول هي التي عادت إلى الحي بعد رجوع بعض النازحين إلى ديارهم إثر الحرب الأثيمة، لتسكن منزل أخيها نور الدين الذي آثر اللجوء إلى القاهرة بعد أن فقد كل شيء. أما منزلها في وسط الخرطوم فقد نُهب وأُحرق.
استفزّت تلك النظرات الحاجة فاطمة، كبيرة الحي، التي يشع الوقار من وجهها الموشوم بالشلوخ، وقد رسم الزمان خطوطه عليه. كانت تجلس في صدر المكان كأنها ملكة متوَّجة، تهابها النساء والرجال على السواء. نادت بصوتها القوي:
– «يا زينب، مالك؟»
أجابت: «ما في حاجة يا حاجة فاطمة.»
قالت بنبرة حازمة: «قولي، قسمت عليك تقولي.»
أطرقت زينب برأسها وقالت بانكسار، موجِّهة حديثها إلى لمياء وبتول:
«ما عزّيتوني في ولدنا المات في الحرب بجنوب كردفان، الدكتور الشهيد الجوه المستشفى. وقت كتلو الدعم السريع، راجل بت أختو مرقنا عزّينا نص النهار، ما خفنا من الموتورات الماشّة والجاية. البكا كان ممنوع، والفراش ممنوع، ودفن الجنازة كان صعب. أولادي كانوا مع أربعة عشر رجلاً دفنوه. تاني يوم صبحت بنتي وخلّت قدام البيت وسخ وشوك عشان لو جو ورانا يقولوا الحتة مهجورة. وعجنت كسرة وجريت بيها زي المجنونة لما سمعنا صوت الرصاص.»
قالت الحاجة فاطمة: «عاد اتلومتن عرفنا، لمياء. لكن بتول مالا؟»
ردت زينب: «بتول قريبة لمياء وصاحبتها، ومن يوم جات الحلة والدكتور والدنا مات.»
عاتبت الحاجة فاطمة لمياء قائلة: «حتى لو بيناتكم زعل قديم، الميت شهيد ويشفع لسبعين. كان مشيتن، كان تكونوا من السبعين وضيّعتنها.»
تدخلت بثينة محاولةً إعادة البهجة إلى الأجواء، ووقفت في منتصف «التكل» قائلة: «ما في عوجة ما بتتصلح، والكان انكسر بيتجبر. أنا شاهدة إنو لمياء كانت مع أمها في المستشفى وقت بتروا ليها رجلها بسبب السكري، وكلنا مشينا معاها، وإنتِ كنتِ معانا. المفروض بعد داك تجنّيها.»
تنهدت الحاجة فاطمة، ، ثم حكمت بأن تذهب لمياء وبتول في الغد إلى بيت زينب وتقضيا اليوم معها، وأقسمت عليهن أن يتصافحن ويتعانقن إشارةً للصلح. وكان ما أرادت؛ تصافت النفوس، وقُضي اليوم في رضا، لا يخلو من الضحك، وغناء أغاني الحقيبة، ومدح المصطفى، والزغاريد التي ملأت المكان.





