
في مشهد يعكس جدية التوجّه نحو معالجة واحدة من أكبر التحديات التي تواجه السودان، تتواصل جهود اليونسكو في تنفيذ مشروعها الرامي إلى تحسين فرص العمل للشباب عبر التعليم الفني والتدريب المهني بولايتَي كسلا والبحر الأحمر، في إطار رؤية استراتيجية ممتدة بدأت منذ سنوات، وتركّز على إحداث تغيير حقيقي ومستدام في واقع المجتمعات المحلية.
وفي هذا السياق، شهدت مدينة أروما انعقاد ورشة متخصصة قدّمها الأستاذ وائل، مدير المشاريع، تناولت بشكل مباشر سُبل تمكين الشباب من خلال تطوير مهاراتهم العملية وربطها باحتياجات سوق العمل، خاصة في القطاعات الإنتاجية والخدمية التي تتمتع بها ولايتا كسلا والبحر الأحمر.
استمرارية العمل… نهج لا ينقطع
المشروع الذي تقوده اليونسكو لا يقوم على تدخلات آنية، بل على منهج تراكمي قائم على الاستمرارية والتقييم والتطوير. فقد ظلّت المنظمة تنفّذ سلسلة من الورش والبرامج التدريبية واللقاءات التنسيقية، بهدف بناء قاعدة صلبة من الكفاءات الشابة القادرة على الإنتاج.
وقبل نحو عشرين يوماً، استضافت ولاية كسلا واحدة من أبرز هذه الورش، بمشاركة وزارة التربية والتعليم وعدد من المنظمات، حيث تمّت مناقشة آليات تطوير التعليم الفني، وتعزيز التنسيق بين الجهات العاملة في هذا المجال.
وخلال تلك الورشة، دعا أيمن بدري، مسؤول اليونسكو في
السودان، إلى ضرورة توحيد الجهود والرؤى بين الشركاء، مؤكداً أن العمل المشترك هو الطريق الأمثل لتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد.
التعليم الفني… ركيزة التحوّل الاقتصادي
ركّزت ورشة أروما على أهمية إعادة الاعتبار للتعليم الفني والتدريب المهني، باعتباره أحد أهم الأدوات لمعالجة البطالة وسط الشباب، وتحقيق التنمية الاقتصادية. وتم التأكيد على ضرورة مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق، وتحديث المناهج، وتعزيز الجانب التطبيقي في التدريب.
كما ناقش المشاركون التحديات التي تواجه هذا القطاع، وفي مقدمتها ضعف الإمكانيات، والنظرة المجتمعية السالبة، والحاجة إلى شراكات أوسع مع القطاع الخاص لتوفير فرص تدريب وتشغيل حقيقية.
تغيير السلوك… من الفكرة إلى الممارسة
لا يقتصر المشروع على التدريب فقط، بل يمتد ليشمل تغيير السلوك المجتمعي تجاه التعليم الفني. إذ تسعى اليونسكو وشركاؤها إلى تحفيز الشباب وأسرهم على تبنّي هذا المسار، باعتباره خياراً عملياً ومثمراً، يفتح أبواب العمل الحر والإنتاج.
وفي هذا الإطار، يتم التركيز على حملات التوعية، والنماذج الناجحة، وإشراك المجتمعات المحلية في تصميم وتنفيذ البرامج، بما يضمن استدامة الأثر.
ما بعد الحرب… البناء يبدأ من هنا
تأتي هذه الجهود في وقت يستعد فيه السودان لمرحلة ما بعد الحرب، حيث تتعاظم الحاجة إلى بناء اقتصاد قائم على الإنتاج، لا الاستهلاك. ويُنظر إلى التعليم الفني والتدريب المهني كأحد أهم المفاتيح لتحقيق هذا التحول.
فالسودان، بما يمتلكه من موارد زراعية وبشرية، قادر على أن يكون سلة غذاء العالم، لكن ذلك يتطلب استثماراً حقيقياً في الإنسان، وتأهيلاً عملياً للشباب يمكنهم من قيادة عملية الإنتاج.
إشادة وتقدير
وقد وجد المشروع إشادة واسعة من المشاركين والمتابعين، الذين ثمّنوا الدور الذي تقوم به اليونسكو، بقيادة أيمن بدري، وبمشاركة فاعلة من الأستاذ وائل، في إنزال مشاريع نوعية تمسّ احتياجات المجتمعات الفقيرة والمستضعفة، وتفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب.
ما يجري اليوم في كسلا والبحر الأحمر ليس مجرد نشاط تنموي عابر، بل هو مشروع وطني متكامل، يراهن على الإنسان، ويؤسس لمستقبل مختلف. ومع استمرارية الجهود، وتكامل الشركاء، وتزايد الوعي المجتمعي، تظل هذه المبادرات واحدة من أبرز نقاط الضوء في طريق السودان نحو التعافي والنهوض.





